واصف جوهرية
21
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
أنا أسود كان المعلم يصف الأولاد في صباح كل اثنين وأربعاء ليكشف على النظافة وقد لاحظ مرة أن رقبتي وسخة ولم أغسلها وهكذا صفعني على رقبتي من الخلف وكان شديدا لأنه المعلم بشارة ولم يكن المعلم جريس المرحوم فتألمت جدا من عظم الضربة وبدأت أبكي وأقول : لا يا معلمي أنا أسمر أنا أسمر فتبسم وتركني . سبب تركنا مدرسة الدباغة كان أخي خليل يشتغل في نجارة العربيات عند متري أبو شنب وإخوانه في دكان واقعة في شارع يافا خارج السور بالقدس وذلك أثناء عملنا أنا وتوفيق في مدرسة الدباغة . وكان والدي مسؤولا عن المنتزه البلدي ( المنشية ) كما سيجيء البحث عن هذا الموضوع في حينه من هذا الكتاب . وكنا أنا وأخي توفيق ليس لنا موضوع حديث في البيت لوالدي ووالدتي وأخي خليل ليليا إلا ما يحدث معنا في مدرسة الدباغة وكنا نكره المعلم بشارة وكذلك كان مكروها من كل التلاميذ نظرا لقسوته وبطشه وضربه القاسي للأولاد وبدون سبب معقول حتى أصبح لأخي خليل فكرة وافية عن قسوة المعلم بشارة . ولما كان أخي خليل مشهورا بالرجولية لدى جميع أولاد جيله مر صدفة المعلم بشارة في شارع يافا وعن دكان نجارة متري أبو شنب عندما كنت أنا وأخي توفيق نلعب في ذات الدكان . رغبنا بأن خليل يعرف صورة المعلم بشارة فقلنا له " خليل هذا هو المعلم بشارة أنظر أنظر " ولكن أتدري ما كانت النتيجة ؟ ترك خليل شغله ولحق المعلم بشارة يصفق له بيديه ويصيح بأعلى صوته : هيا معلم بشارة معلم بشارة ! التفت المعلم بشارة إلى خلفه ونظر بعينه فوجد توفيق وواصف وكان لا يعرف أخي خليل . عندما لاحظنا بأن المعلم بشارة شاهدنا قلنا وا أسفاه علينا ! ! ماذا يحدث لنا غدا معه يا اللّه ! ! ما هذا يا خليل ؟ تركنا خليل وذهبنا واشتكينا أمرنا إلى الوالد الذي كان يجلس في المنشية مع أصدقائه على الأركيلة وبصفته كان محاميا ، قال لنا " لا تخافوا عندما يسألكم قولوا له أن أخي كان ينادي على عمي بشارة وليس المعلم بشارة ! ! " قلنا يابا لا يعطينا فرصة للمناقشة وأنت لا تعرف هذا المعلم . قال ولا يهمكم وهكذا ثاني يوم ذهبنا إلى المدرسة مرغمين . دخل غرفة الصف المعلم بشارة الساعة الثالثة من بعد ظهر ذلك اليوم لإعطاء الصف درس حساب ساعة من الزمن وطرق باب الغرفة بقوة فائقة وذلك من شدة غضبه فقلت أنا في نفسي اللّه يستر ! ! وقف والشرار يقدح من عينيه وصاح مؤشرا إلي بإصبع يده الأيمن " جوهرية صغير " . حضرت فوقفت أمامه فما كان منه إلا أن صفعني صفعة على وجهي كدت أن أرى نجوم الظهر كما يقولون ومن قوة هذه الضربة رماني إلى الأرغن ثم رجع جسمي من الأرغن إلى البنك [ أي المقعد ] الأول من التلاميذ وسقطت على الأرض فشخيت تحتي وأنا ماسك رأسي بيدي وأصيح بأعلى صوتي يا يابا يا يابا ، وهكذا تركني واشتغل بأخي توفيق مدة ساعة من الزمن ، توفيق يهرب منه من بنك إلى آخر